هل امة اقرأ تقرأ ؟! – بقلم : احمد فياض محاميد

بداية اود ان اعبر عن مشاعر سروري هذا الاسبوع عندما استلمت دعوه من قبيل ناشطات عربيات من جمعية ” نساء وافاق” ،

للمشاركة باجتماع في مدينة كفر قرع، جمعية التي من بين اهدافها تشجيع القراءة والمطالعة لدى الفرد العربي , امالا ان يأخذن في تلك زمام المبادرة من زميلاتهن ساعيات لتحقيق نفس الاهداف المباركة. عندما يمر مجتمع في خطر من اجل ازالته عليه ان يقوم بثورة والثورة ليس معناها بالضروري سفك الدماء. ممكن ان تكون ثورة بيضاء ونحن بحاجة الى ثورة , ثورتنا يجب ان تكون في مجال التربية , وكل ثورة بحاجة الى قائد وانت ايتها الام العربية في رحاب العالم العربي بأكمله, قائدة هذه الثورة ان شئت ام ابيت . بك نؤمن انت القادرة على نقلنا لشاطئ الامان. انت قبطان السفينة, ومن قبطان السفينة لنا توقعات , وكلنا امل انك ستحققين املنا انت وفقط انت .
تقديرا واحتراما لرغبة تلك الناشطات على جهودهن ومبادرتهن المباركة سأتناول سلسلة مقالات عن ازمة القراءة بالعالم العربي , ساعيا مجتهدا بقدر الاستطاعة لتفسير اسباب تلك الافة الاجتماعية.
عندما يمر فرد ما في ازمة يجب عليه ان يتساءل عن الاسباب التي ادت لتلك الازمة وكم بالحري عندما تمر بذلك ” امة ” بمعظمها ؟.
ربما تساءلت عزيزي القارئ لماذا وضعت كلمة ” امة ” في مزدوجين؟ والسبب لذلك وبكل منتهى الصراحة والوضوح , لغاية هذه اللحظة اشكك اذا كان من الممكن ان تكتب كلمة ” امة ” عربية دون ذلك، لأنه في اعتقادي لا تتوفر المعايير العلمية لكي تسمى امة وهي اقرب لتسميتها قبائل اكثر من امة .
لكي تسمى امة يجب ان تكون هناك لغة مكتوبة وممارسة من قبل جميع افرادها, وخاصة ان اللغة هي اداة تواصل بين جميع افراد المجتمع بواسطتها يتبادلون المعلومات عما تتعرض له الامة , والمعطيات تشير حسب التقارير التي سنعرضها فيما بعد, فقط 4% من العالم العربي يمارسون المطالعة أي اللغة المكتوبة.
وللغة المكتوبة توجد اهمية كبرى لأنها تعتبر الاساس الذي يربط بعضهما ببعض كالبنيان المرصوص، نظرة سريعة الى واقع العالم العربي تشير وبوضوح بانه كان قبلي وما زال ولا توجد هناك لغة مشتركة يمارسها جميع افراد المجتمع وخاصة لان اللغة العربية الكلاسيكية (الفصحى) اصبحت بمثابة لغة اجنبية لدى الفرد العربي. وبكل تواضع انا اعمل في مجال تشخيص وتقييم المهارات التعليمية واصطدم بهذه الظاهرة يوميا ومن خلال عملي على سبيل المثال طلاب في مراحل التعليم الثانوي لا يعرفون ما معنى الكلمة المناقضة , المرادفة واضافة الى ذلك مواضيع الانشاء التي تكتب من قبلهم تفتقر الى الخيال والمقارنة والتفكير الاستنباطي. معظم مواضيعهم ” تتمثل ” في الامور الوصفية لأحداث مثل زيارة مريض في مستشفى او المشاركة في احتفال زواج او أي مناسبة خيرية ان كانت ووصف المراحل التي مرت بها تلك المناسبة ، مستعملا مصطلحات عامية من اللغة العربية , وفحوى تلك المواضيع تعتمد فقط على الوظائف الإدراكية المتدنية دون أي استعمال تفكير تحليلي. الامر من ذلك بان معظم الطلاب يطلبون وبكل الحاح على تحديد موضوع الانشاء من قبلي وهذه ظاهرة خطيرة جدا واخطر ظاهرة ممكن ان يتعرض اليها الفرد .
ربما يتساءل القارئ وما العيب بذلك؟ العيب بذلك بان الطالب يفتقر عنصر الاستقلالية بالتفكير وهذا اهم عنصر يجب على المجتمع ان يربي وينشئ اجيالا قادرة على اتخاذ مواقف بشكل مستقل .
الشرط الاساسي من اجل المقدرة على الابداع يجب ان يكون الفرد قادرا على التفكير, دون هذه المقدرة لا يمكن, ومن المستحيل ان تكون هناك مقدرة على الابداع. هذا ليس بمجرد صدفة بان دولة اسرائيل كان لها عام 2010 , 1183 اختراع بينما الدول العربية مجتمعة كان لها 184 اختراعا, أي بمعنى اخر العالم العربي الذي يشكل قرابة 46 ضعف من اسرائيل توصل الى عشر ما توصلت اليه هذه الدولة الصغيرة , هل هذه مجرد صدفة؟ او هذه نتيجة اساليب تعليمية متطورة تشجع على اكتساب التفكير الخيالي.. لان الابداع بالاساس قبل ان يخرج الى حيز التنفيذ هو مبني على الخيال وليس على الواقع . وعلى اثر تفوق اسرائيل على العالم العربي في الاختراعات بعشرة اضعاف تساءل الكثير من الكتاب العرب والباحثين منهم واخص بالذكر الكاتبة ” زينب التقي ” التي تساءلت بمقالها هل تركيبة المخ اليهودي تختلف عن تركيبة مخ العربي؟ وانا بدوري سأحاول بكل تواضع من الإجابة على تلك التساؤلات , يا اخت زينب اطمئني وطمني من حولك بانه لا يوجد هناك أي فارق في مبنى العقول البشرية, وخاصة في عدد الخلايا في المخ والوزن. نعم الطفل الاوروبي ومن ضمنهم اليهودي يتعرض منذ طفولته المبكرة الى محفزات مختلفة, التي من شانها ان ترفع من عدد الارتباطات بين خلايا المخ . هذه الارتباطات يطلق عليها اسم Axon وبواسطة هذه الروابط في المخ تتم عمليه تبادل ونقل المعلومات بسرعة اكثر من منطقة الى منطقة اخرى في المخ لاتخاذ القرارات السليمة.
اضافة الى ذلك الطالب الغربي او اليهودي يتعلم في اساليب تعليم مختلفة مبنية على نظرية Constructivism وهذه النظرية تعتمد على منح الطالب استخلاص العبر بنفسه وليس بواسطة التلقين من قبل المعلم وهي معلومات تتبخر عادة بمدة اقصاها ساعتين , يا اخت زينب , من اجل تحقيق ذلك نحن لسنا بحاجة لانتظار عصر ” اعور الدجال ” ، اضافة الى ذلك الخلل في المهارات الإدراكية لدى الطلاب العرب, وهذا الخلل يتمثل في بطء القراءة لدى الفرد العربي. يجب على القارئ كان من كان ان يقرا ما لا يقل عن 120 كلمة في الدقيقة مع فهم المقروء, واذا قرأ اقل من ذلك هذا يشير الى انه يعاني من عدم فهم المقروء ، كلما كان القارئ أوتوماتيكيا اكثر فهو قادر على فهم المقروء اكثر. لماذا؟ ، عندما يكون القارئ بطيء هذا يشير الى انه يصرف وينفق ما لديه من قدرات ذهنية على تحليل الرموز أي بمعنى اخر لم تتبق لديه قدرات ذهنية كافية من اجل فهم المقروء . في بعض الحالات تشير هذه الظاهرة الى عسر قرائي ( دسلكسيا ) ولكن لا يمكننا ان نقول بان معظم الطلاب العرب يعانون من هذه الظاهرة أي دسلكسيا , لأنها عاده تشمل في معدلها العام حتى 10% من الافراد. وهي تعود في معظم الحالات الى خلل طفيف في المخ . عليكم ان تكونوا مطمئنين وبكل تأكيد وعلى اثر اختبارات اخرى اجريتها لم اجد ان هذه الظاهرة تشمل القراء العرب البطيئين . اذا ما هو السبب لتلك الظاهرة؟ ، السبب وبكل تأكيد وانا عادة لا استعمل كلمة “متأكد” لان التأكيد يشير الى ثوابت وانا من الذين لا يؤمنون بالثوابت ويؤمنون بالديناميكية .. لكن في هذه الحالة انا متأكد ان السبب يعود فقط وفقط وفقط الى عدم ممارسة اللغة بالشكل السليم مما يبطئ تطورها لدى الفرد .
اضافة الى كل ما ذكر اعتمد على ابحاث ميدانية التي اجريت لطلاب عرب بهدف فحص الذكاء المنطقي مع مقارنة بالذكاء الكلامي ولقد وجدنا هنالك في بعض المناطق ان الطلاب العرب يتمتعون مقارنة مع الطلاب اليهود بنفس المقدرة في التفكير المنطقي. في جميع الحالات وجدنا هنالك فارق 20 نقطة بالتفكير الكلامي لدى الطلاب العرب اقل من المعدل العام. توجد هناك انعكاسات سلبية لهذا الواقع وخاصة انه ينعكس على درجه الذكاء العام المنبثق عن المطالعة وهذا لا يعود ولا في أي حالة من الحالات لكون العرب اقلية في دولة اسرائيل.
وضع الطلاب الجامعيين لدى العالم العربي اسوء بكثير ويجب عليه ان “يتقزم من شدة الخجل والعار, مقارنة مع الذكاء العام”. عندما سألوا طلاب جامعيين في العالم العربي: من هو كوفي عنان؟ 59% منهم اجابوا: “بانه حارس المرمى لفريق الكاميرون ” وعندما سئلوا: من هو الشيخ احمد ياسين ؟ اجاب الكثير منهم على: “انه اخ الممثل الكوميدي اسماعيل ياسين “, وعندما سئلوا : عن عاصمه إنجلترا؟ “قسم من الممتحنين اجاب على انها بريطانيا” , وعندما سئلوا: متى بني السد العالي في مصر؟ كانت هناك اجابات بانه بعد عام 1972, وعندما سئلوا : ما هي هوية الدولة التركية؟ قسم من الممتحنين اجابوا: “على انها قطر عربي شقيق”.
انا اسال وبكل وضوح من هو المسؤول الاول عن تدني المعلومات العامة لدى الطلاب العرب الجامعيين لهذه الدرجة؟ هل المسؤول عن ذلك “العدو البغيض؟!” ام محاربتنا له على مدى السنين منعتنا من توسيع افاق افكار ابنائنا؟؟!!.
في اعتقادي لا هذا ولا ذاك.. السبب بذلك أننا نتمتع بمناصب ” ملائكة ” على وجه الارض, وخاصة ان الملائكة في جميع الحالات مفعول بها .. لا يمكن ان يكون الملاك فاعل لأنه دائما يوحى اليه . والسؤال الذي تبقي لدي ان اساله , اذا كنا نحن الملائكة من هم الشياطين؟ ّ! على وجهه الارض!!.
اود ان اشارك القارئ في المراحل التي مر بها هذا المقال .. عادة اتشاور مع من اريد, عندما انتهي من كتابه أي موضوع.. اما لأغراض أكاديمية او لنشر مقالات علمية.. والقرار بالنهاية يعود فقط الي بعد التشاور.
عندما انتهيت من كتابة هذا المقال تشاورت مع صديق دربي واستاذي الكبير ” عبد الحليم زعبي ” بعدما انتهى من قراءة المقال اجابني بمنتهى الدهشة: ” بانه غير راض عما كتب وحتى انه غاضب” ، سالته وبكل هدوء لماذا؟ اجابني بانه كان ينتظر مني ان اضع حلولا التي من شانها ان تصعد في مجتمعنا الى الامام. ولكن في هذا المقال يتمثل في وصف ظاهرة اين الحل ؟! اجبته بابتسامة عما سوف اجبك حضرة القارئ الكريم : انني في الحلقات القادمة سأطرح معطيات ادق واحاول بقدر استطاعتي ان اقترح حلول . لربما اتنكر اليها فيما بعد , لأنني التزمت فقط في اسمي ومكان ولادتي ووالدتي لأغراض التسجيل في دائرة السكان, بينما مواقفي هي قابلة في كل لحظه للتغير وانا مسرور جدا بانني لست مجرد جماد, حتى الجماد هو معرض للتغير. اذا لماذا لم تتغير مواقفي حسب الحاجة؟! لا بد لي ان التمس عذرا من القارئ العربي اذ سببت له بذلك خيبة امل ، ولكن افضل ان اسبب له تلك المشاعر ولكن لم اوافق ان اخدعه بواسطة معلومات زائفة , ولغاية لقائنا القادم اتمنى للجميع اسعد اللحظات واجمل الاوقات.

أضف تعليقاً