نحو تعديل قانون الأحوال الشخصيّة داخل المحاكم الشرعيّة د. نايفة سريسي*

جدل 1 مدى الكرمل

www.mada-research.org العدد السادس عشر/ كانون أول 2112

نحو تعديل قانون الأحوال الشخصيّة داخل المحاكم الشرعيّة

د. نايفة سريسي*

استطاعت “نساء وآفاق” أن تكسر حاجز الصمت، في ما يخصّ قانون الأحوال الشخصيّة المعمول به داخل المحاكم الشرعيّة في إسرائيل، والذي يُعْمَل به منذ عام 9191 ولم يجرِ عليه أيّ تعديل يُذكر حتّى الآن. فما زلنا نخضع للقانون العثمانيّ المفروض علينا وكأنّه مقدّس يُمنع المسّ به، مع العلم أنّه مْن وضْع الفقهاء، وهم بشر مثلنا. هذا ناهيكم عن جهاز المحاكم الشرعيّة، الذي يطرح نفسه وصيًا مخلصًا لهذا القانون، وعن تقيُد معظم بنود القانون، بمذهب واحد وهو المذهب الحنفيّ، والتغاضي عن متطلّبات واحتياجات العصر وفقه الواقع الذي يفرض التغيير عملًا بالقاعدة القائلة بجواز تغيّر الأحكام مع تغيّر الأزمان.

يحتاج قانون العائلة العثمانيّ إلى تعديل في جوهره، وكذلك إلى تغيير في المصطلحات ليلائم

المستجدّات الحاصلة في المجتمع ومرجعيّات حقوق الإنسان، ولا سيّما اتّفاقيّة القضاء على جميع

أنواع التمييز ضدّ المرأة واتّفاقيّة حقوق الطفل، اللتين يُعتبر تطبيقهما ضرورة ملِحة، وهذا ما تعمل عليه حاليًا جمعيّة نساء وآفاق. 1 نظر

جدل 2 مدى الكرمل

www.mada-research.org العدد السادس عشر/ كانون أول 2112

من شأن تعديل هذا القانون رفع مكانة المرأة في المجتمع وتعزيز دورها في الحيّزين العامّ والخاصّ، وفي كافّة المجالات، بحيث يصبح ملائمًا لآخر التطوّرات المتعلّقة بالعائلة المسلمة العصريّة، إضافة إلى التحوّل الاجتماعيّ والاقتصاديّ والثقافيّ للمجتمع العربيّ الفلسطينيّ في إسرائيل. إنّ طرح التعديل في قانون الأحوال الشخصيّة المعمول به في المحاكم الشرعيّة وبالاعتماد على اجتهادات دينية، وإذ يُعتبر تجديدًا على المستوى المحلّيّ الداخليّ المحلي الداخلي للعرب الفلسطينيين مما قد يثير نوعاً من الجدل، فان ليس تجديدا نسبة لما حدث بالعالم العربي حيث كُسِر الصمت وأُجريتْ تعديلات وتغييرات جِدّيّة، منها منع أو تقييد في موضوع تعدُد الزوجات، إلغاء وَ/أو اختيار موضوع الولاية. وذلك أنّ هذه القوانين -كما أشرنا- وضعيّة، ومصدرها المذاهب الفقهيّة الأربعة، وهذه المذاهب تعود لأشخاص قاموا بتفسير القرآن والسنّة النبويّة في الزمن الماضي البعيد جدًا. والآن نحن بحاجة إلى فقه الواقع، من خلال قراءة جديدة مع التنوّع في الأخذ من المذاهب المختلفة وما يتناسب والوقت الحاضر ومكانة المرأة واحترام كرامتها الإنسانيّة والمعاملة أمام القانون والقضاء بالمساواة وعدم التمييز القائم على الجنس، وآن الأوان كي نستند إلى المواثيق والاتّفاقيّات الدوليّة بتعديل الموادّ التي تتعامل مع المرأة على أنّها قاصر مهما بلغت من العمر تحت مسمّى “الولاية الذكوريّة”

يعني مصطلح الأحوال الشخصيّة مجموع ما يتميّز به الإنسان عن سواه من الصفات الطبيعيّة أو

العائلية التي رتّب القانون عليها أثرًا قانونيًا في حياته، مثل كونه إنسانًا ذكرًا أو أنثى، وكونه زوجًا أو أرملاً أو مطلّقًا أو ابنًا شرعيًا، أو كونه تامّ الأهليّة أو ناقصَها، لصغر سنٍ، أو لِعَتَهٍ، أو لأنّه فاقد الأهليّة بسبب الجنون، أو كونه مطلق الأهليّة أو مقيّدها بسبب من أسبابها القانونيّة. وقانون الأحوال الشخصيّة هي مجموعة القواعد الأحكام والمبادئ والمسائل المنظِّمة للعلاقات القانونيّة التي تنظّم علاقة الأفراد في ما بينهم، من حيث صلة النسب والزواج والمصاهرة، بما يشمل أحكام الخطبة والزواج، والمهر، والنفقة، والطلاق وتفريق القاضي بين الزوجين، والخلع والنسب والرضاع وحضانة الأولاد والميراث والوصيّة والوقف والهبة. ويشمل كذلك الحقوق والواجبات التي تنشأ عن هذه العلاقة في جميع مراحلها، والمستمدة من أحكام الشريعة الإسلاميّة والمذاهب الفقهيّة وفقه الواقع أو “الفقه المَعيش” . إنّ منظومة القوانين التي تُطلق عليها مسمّيات ومصطلحات مختلفة، مثل قانون

جدل 3 مدى الكرمل

www.mada-research.org العدد السادس عشر/ كانون أول 2112

حقوق العائلة، أو قانون الأحوال الشخصيّة، هذه كلّها تتضمّن نصوصُها موادَ حول الزواج والطلاق والآثار المترتّبة عليهما، كما تتضمّن نصوصها مسائل الميراث والوصيّة والهبة والحجر… إلخ. يًعتبر قانون الأحوال الشخصيّة من أهمّ القوانين وأكثرها مساسًا بالأسرة عمومًا والمرأة على وجه الخصوص. ورغم أنّ هذا القانون ليس خاصًّا بالمرأة، بل هو قانون يهمّ الأسرة مجتمعةً، وخاصّة الأبناء بالدرجة الأولى ويهم الرجل والمرأة معًا باعتباره قانونًا ينظّم العلاقات الأسريّة قبل وأثناء الزواج وفى حالة الطلاق. إلاّ أنّه ارتبط بالمرأة لأنّها تُعتبر الطرف الأضعف في علاقاتها الشخصيّة. ولأنّ حقوقها الشخصيّة تُهدر بسبب الإجحاف والقمع وعدم المساواة في استعمال المصطلحات التي تخدش الأذن عند سماعها في هذا القانون، نحو: عقد النكاح، والطاعة، بمفهومه هو عقد فقط للقيام بعلاقة جنسيّة )الوَطْء(، أو إعطاء مشروعيّة للعلاقة الجنسيّة دون التطرّق إلى بناء أسرة ونسل، بينما عقد الزواج يعطي المشروعيّة لذلك بمفهومه الشامل والطاعة المقتصرة على المرأة للرجل… إلخ مع العلم أنّ زمن الرقّ قد ولّى.

في السنتين الأخيرتين، قامت جمعيّة “نساء وآفاق” بإجراء بحث في قانون الأحوال الشخصيّة

المعمول به في المحاكم الشرعيّة في إسرائيل حيث قام بإعداده كلّ من: د. موسى أبو رمضان،

ومساعده د. أشرف أبو زرقا، وكاتبة هذه المقالة، لفحص مدى انسجام القانون مع مبدأ الكرامة

والمساواة، ولتبنّي عدّة محاور للعمل على تعديلها من منظور دينيّ متنوّر يراعي فقه الواقع وحقوق الإنسان. وبناءً على نتائج البحث، قامت الجمعيّة بتبنّي عدّة محاور في القانون تعمل عليها وعلى إدخال إصلاحات فيها، ومن بينها: الجيل الأدنى للزواج؛ قضيّة الولاية في الزواج؛ منع أو تقييد تعدُد الزوجات، وسوف يُنشر البحث ونتائجه قريبًا. كذلك ستعمل جمعيّة “نساء وآفاق” على تقنين هذه التعديلات في قانون يُسَنّ في الكنيست، بدأت بالعمل عليه بالتعاون مع أعضاء كنيست ورجال دين وقضاة شرعيّين. وقد بدأت بذلك من خلال ورشتَيْ عمل شارك فيهما قضاة شرعيّون من منطقة الضفّة الغربيّة، وأعضاء كنيست وناشطات نسويّات ومحاميات ومرافعات شرعيّات.

* د. نايفة سريسي: مديرة جمعيّة “نساء وآفاق” وحاصلة على اللقب الثالث بالقانون الدولي.

أضف تعليقاً